لماذا تعيش بعض الحيوانات لعدة عقود بينما يقتصر عمر فصائل أخرى على عدة سنوات فحسب؟ فأنثى الفيل يمكن أن تعمر حتى ثمانين عاما في حين أن بعض أنواع الفئران لا تعيش سوى بضع سنوات.
وتربط نظريات بين طول العمر ومرات الإنجاب في الثدييات، فأنثى الفيل تنجب في العادة مرات قليلة على امتداد عمرها، في حين أن الفئران على العكس يمكن أن تنجب عشرات او حتى مئات الصغار رغم قصر أعمارها.
وكشف باحثون من خلال دراسة شملت 117 فصيلة من الثدييات أن أعمار الحيوانات، بل والإنسان أحيانا، لا تتحدد فحسب بناء على عوامل بيئية أو أسباب وراثية، ولكن أيضا بحجم الطاقة التي يستنفدها كل كائن في عملية التكاثر والانجاب على امتداد حياته.
ويرى العلماء أن هناك نوعا من التوازن بين العمر والإنجاب بمعنى أن الأنواع التي تهدر طاقاتها على الإنجاب والتكاثر لا تعيش لفترات طويلة.
الحمل والرضاعة يستهلكان الجسم
ومن بين الأسباب التي تفسر هذه الظاهرة أن عملية الإنجاب تتطلب استثمارات بيولوجية ضخمة، فالحمل والرضاعة يستنفدان طاقة الجسم بالنسبة للأنثى، مثلما تفعل عملية إنتاج الحيوانات المنوية بالنسبة للذكر، هذا بالإضافة إلى الجهد الذي يبذله الجسم في عملية التكاثر نفسها ورعاية الصغار. كما أن الهرمونات التي تنظم العملية الجنسية تؤثر على النمو والسلوكيات وتطور الشيخوخة، مما يعطل قدرة الجسم على صيانة أعضائه.
وتقول يوهانا شتارك، وهي أحد الباحثين الذين شاركوا في الدراسة إن "حدائق الحيوان، حيث تدار عملية الإنجاب بعناية، توفر بيئة فريدة لدراسة هذه الديناميكيات"، مضيفة في تصريحات نقلها الموقع الإلكتروني "سايتيك ديلي" المتخصص في الأبحاث العلمية إن "الحيوانات التي تحصل على عقاقير منع الحمل أو تتعرض للتعقيم لمنعها من الإنجاب تعتبر مجموعات مقارنة طبيعية لدراسة هذه الظاهرة".
واتضح للباحثين أن أعمار عدد كبير من الثدييات، بما في ذلك الرئيسيات والقوارض والجرابيات، طالت بشكل كبير في حالات عدم الإنجاب، وفي بعض الحالات، كانت الفروق العمرية كبيرة للغاية، فإناث قرود البابون التي حصلت على وسائل منع الحمل عاشت فترات أطول بنسبة 29% فيما عاش ذكور هذه القرود فترات أطول بنسبة 19% في حالة تعرضها للإخصاء مقارنة بالحيوانات التي لم تتعرض لنفس العوامل الخارجية.
تكاليف الطاقة
ويعتقد الباحث فيرناندو كولتشيرو أن "هذه الدراسة تظهر أن تكاليف الطاقة التي تستهلك في عملية الإنجاب تكون لها عواقب ملموسة وقابلة للقياس بالنسبة لبقاء مختلف أنواع الثدييات"، مضيفا في تصريحات لموقع "سايتيك ديلي" أن "الحد من الاستثمار في الإنجاب قد يسمح بتوجيه الطاقة نحو إطالة العمر".
ورغم أن أعمار الجنسين تطول مع وقف الانجاب، فإن الأسباب في الحالتين تكون مختلفة.
ورغم ندرة البيانات التي تتناول تأثير الاخصاء والتعقيم لدى البشر، فإن بعض المعلومات التاريخية التي تعود للقرن الـ19 في عهد مملكة تشوسين الكورية على الخصيان، تشير إلى أن الرجال الذين يتعرضون للإخصاء يعيشون لفترات أطول بنسبة 18% مقارنة بالأشخاص مكتملي الرجولة.
أما النساء التي تجرى لهن جراحات تعقيم مثل استئصال الرحم أو المبيض لأسباب حميدة غير سرطانية، فقد تبين أن أعمارهن تكون أطول بنسبة بسيطة لا تتجاوز 1٪ مقارنة بالنساء اللاتي لم يخضعن لنفس النوع من الجراحات.
ويؤكد الباحثون أن "الإنجاب هو عملية مكلفة بطبيعتها" ولكن ظروف البيئة التي يعيش فيها الإنسان مثل توافر الرعاية الصحية والتغذية السليمة والدعم الاجتماعي قد تساعد في الحد من هذه الآثار على عمر الشخص.
