مع التسارع الهائل في استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي، يبرز مفهوم جديد يثير قلق الباحثين واللغويين وصنّاع التكنولوجيا على حد سواء: "الأوروبوروس اللغوي".
هذا المفهوم، الذي تناولته تقارير تحليلية في موقع كلارك وصحيفة لو فيغارو، مستوحى من رمز أسطوري قديم يُجسّد أفعى تلتهم ذيلها، ويُستخدم اليوم لوصف حلقة مغلقة ينشأ فيها خطر أن تتغذّى نماذج الذكاء الاصطناعي على نصوص أنتجتها هي نفسها، ما يهدد جودة اللغة، وتنوّعها، وصلتها بالاستخدام البشري الحي.
ما هو "الأوروبوروس اللغوي"؟
يشير "الأوروبوروس اللغوي"، كما يشرحه موقع كلارك، إلى وضع تتعلم فيه نماذج الذكاء الاصطناعي من محتوى مولد آليا بدلا من الاعتماد أساسا على نصوص بشرية أصيلة.
ومع الانتشار الكثيف للمحتوى الذي تنتجه الخوارزميات، بات الذكاء الاصطناعي يملأ الإنترنت بملايين المقالات، والوصف التجاري، والمحتوى التعليمي، ومنشورات الشبكات الاجتماعية، ما يجعل هذه النصوص نفسها مادة تدريب للأجيال اللاحقة من النماذج.
في هذا السياق، لا يعود الإنترنت مرآة للغة البشرية، بل يتحوّل إلى فضاء هجين، تتزايد فيه نسبة اللغة المصطنعة. الخطر هنا لا يكمن فقط في التكرار، بل في لغة "نظيفة" شكليا، خالية من الأخطاء، لكنها فقيرة من حيث العفوية، والتنوع، والثراء الأسلوبي.
لماذا أصبح الخطر ملحا في عام 2026؟
تؤكد تحليلات كلارك وتقرير لو فيغارو أن عام 2026 يمثل نقطة تحول، إذ أصبح حجم المحتوى الذي تنتجه الآلات مساويا أو متفوقا على المحتوى البشري في قطاعات كاملة، مثل التسويق الرقمي والمحتوى المؤسسي.
هذا الواقع يجعل نماذج اللغة عرضة لما يسميه الباحثون "تلوّث البيانات"، حيث تتغذى الخوارزميات على أنماط لغوية سبق أن أنتجتها خوارزميات أخرى.
وتنقل صحيفة لو فيغارو تحذيرات لغويين من أن هذا المسار يؤدي إلى توحيد الأسلوب، وتآكل الخصوصيات اللغوية، وتحويل اللغة إلى قالب واحد سهل التنبؤ. ومع مرور الوقت، قد تفقد النماذج قدرتها على التقاط الدلالات الثقافية والعاطفية المعقدة، ما ينعكس سلبا على جودة التفاعل بين الإنسان والآلة.
أبعاد ثقافية واقتصادية وحلول مطروحة
لا يقتصر خطر "الأوروبوروس اللغوي" على الجانب التقني، بل يمتد، كما يشير المصدران، إلى أبعاد ثقافية ومجتمعية أعمق. فاللغة ليست مجرد أداة تواصل، بل حاملة للهوية والتنوع والخيال الجمعي.
وتبدو اللغات الأقل انتشارا، والتعابير المحلية، والأساليب الإبداعية، الأكثر عرضة للتهميش في حال هيمنة اللغة المولدة آليا.
اقتصاديا، يحذر موقع كلارك من أن توحيد اللغة قد يؤدي إلى محتوى أقل تميّزا للشركات، وأضعف تأثيرا من حيث العلامة التجارية والتفاعل الجماهيري.
